محمد الريشهري
152
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
فمن شواهد خلقه خلق السماوات موطّدات بلا عَمَد ، قائمات بلا سَنَد . دعاهن فأجبن طائعات مذعنات ، غير متلكّئات ولا مبطِئات . ولولا إقرارهنّ له بالربوبية وإذعانهنّ بالطواعية لما جعلهن موضعاً لعرشه ، ولا مسكناً لملائكته ، ولا مَصعَداً للكلم الطيّب والعمل الصالح من خلقه . جعل نجومها أعلاماً يستدلّ بها الحيران في مختلف فِجاج ( 1 ) الأقطار . لم يمنع ضوء نورها ادلهمامّ سجف الليل المظلم . ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن تردّ ما شاع في السماوات من تلألؤ نور القمر . فسبحان من لا يخفى عليه سواد غَسَق داج ولا ليل ساج في بقاع الأرَضين المتطأطئات ، ولا في يَفاع السُّفْع ( 2 ) المتجاورات . وما يتجلجل به الرعد في أُفق السماء ، وما تلاشت عنه بروق الغمام ، وما تسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الأنواء وانهطال السماء ، ويعلم مسقط القطرة ومقرّها ، ومسحب الذرة ومجرّها ، وما يكفي البعوضة من قوتها ، وما تحمل الأُنثى في بطنها . الحمد لله الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش ، أو سماء أو أرض أو جانّ أو إنس ، لا يُدرَك بوَهْم ، ولا يُقدَّر بفهم . ولا يشغله سائل ، ولا ينقصه نائل ، ولا يَنْظر بعين ، ولا يُحدّ بأين . ولا يُوصَف بالأزواج ، ولا يُخلَق بعلاج . ولا يُدرَك بالحواسّ . ولا يقاس بالناس . الذي كلّم موسى تكليماً ، وأراه من آياته عظيماً . بلا جوارح ولا أدوات ، ولا نطق ولا لهوات . بل إن كنت صادقاً أيّها المتكلّف لوصف ربّك فصف جبرائيل وميكائيل وجنود الملائكة المقرّبين في حُجُرات القُدُس مُرْجَحِنّين ( 3 ) ، متولّهة عقولهم أن يحدّوا
--> ( 1 ) الفِجَاج : جمع فجّ ؛ وهو الطريق الواسع ( النهاية : 3 / 412 ) . ( 2 ) اليَفاع : المرتفع من كلّ شيء . والسُّفعة : نوع من السواد ليس بالكثير ( النهاية : 5 / 299 وج 2 / 374 ) والمراد بها الجبال . ( 3 ) ارجَحنَّ الشيءُ : إذا مالَ من ثِقلَه وتحرَّك ( النهاية : 2 / 198 ) .